مجمع البحوث الاسلامية
862
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ونحن نقول : لو صحّ هذا في إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً فلا يصحّ في كَفى بِاللَّهِ حَسِيباً لأنّ مآله حينئذ إلى « كفى باللّه كافيا » وهو تكرار بلا موجب . نعم لو كان « حسبا » لقلنا : إنّه مفعول مطلق ل ( كفى ) من غير لفظه . وقالوا في ( حسيبا ) وصفا للعبد : كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً فهو بمعنى « شاهدا » ، وفي غيرها محاسبا أو مجازيا ، أو مراقبا ونحوها ، ولكنّه مرفوض بوحدة السّياق . 2 - في ثلاث منها جاء ( حسيبا ) تلو ( كفى ) : واحدة ( 89 ) للعبد كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ، واثنتان ( 86 و 88 ) للّه عزّ وجلّ ، و ( كفى ) فيها تفيد الحصر ، أي يكفي اللّه أو يكفي نفسك في ذلك الأمر ، لاحظ « ك ف ي » . وجاءت واحدة منها بدون « كفى » للّه أيضا ( 87 ) : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ، وهي تفيد الدّوام والشّمول بدون الحصر ، أو معه . 3 - قال بعضهم : إنّ « حسيب » وزان « فعيل » صيغة مبالغة مثل « عليم » . وقال آخرون : إنّ « فعيل » هنا بمعنى « فاعل » من دون مبالغة ، أي حاسب . لكنّ السّياق يقتضي المبالغة في الجميع ، ولذلك فسّره الشّربينيّ ب « حاسبا بليغا » . 4 - أكثرهم قالوا : ( حسيبا ) تمييز مثل وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً النّساء : 69 ، وقولهم : « للّه فارسا » . وقال الواحديّ : « إنّه حال » ، أي كفى باللّه في حال الحساب ، والأوّل أقرب معنى ، والثّاني لفظا ، لأنّ التّمييز يأتي غالبا مصدرا ، والحال وصفا . واحتملهما أبو حيّان لصلاحيّة دخول « من » عليه - للتّمييز - وكونه حالا ل « كفى » . 5 - وفي الآية ( 89 ) : كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً بحوث : أ - لهم في تذكير ( حسيبا ) مع أنّه خبر ( نفسك ) أقوال : منها : إنّما قال : ( حسيبا ) والنّفس مؤنّثة ، لأنّه يعني بالنّفس : الشّخص . ومنها : ما عن الزّمخشريّ والآلوسيّ : أي كفى بنفسك رجلا حسيبا . وعن مقاتل : المراد بالنّفس : الجوارح ، وقد طرح الشّربينيّ هنا مسألة « التّجريد » وهو كون الشّخص في تلك الحال شخصا آخر ، وقال : « إنّه غلط فاحش » . ونقول : هذه كلّها تكلّف لا يليق بالقرآن ، فلاحظ . ونحن نزيد عليها : أوّلا : أنّ مسانخة هذا الضّمير لثلاثة ضمائر قبله مذكّرا خطابا إليه بفعل مذكّر ( اقرا ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً أولى من رعاية التّأنيث غير الحقيقيّ في لفظة « نفس » مع أنّها مضافة أيضا إلى واحد من تلك الضّمائر : ( نفسك ) . وثانيا : أنّ المعنيّ بهذه الضّمائر وبالخطاب وبلفظة « نفس » في هذه الآية هو « الإنسان » المذكور قبلها : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً . وثالثا ، وهو العمدة : روعي في ( حسيبا ) الرّويّ المرعيّ في هذه السّورة ، كما هو الحال في سائر الآيات الّتي جاءت فيها ( حسيبا ) ، فلاحظ .